الشيخ علي المشكيني
126
رسائل قرآنى
عن مزعمتهم بأنّ ذلك لا يقتضي الربوبيّة ، وإلّافلابدّ من القول بربوبيّة آدم أيضاً ، مع أنّهم لا يقولون بها . فالمراد بالآية أنّه كما أنّ آدم خلقه اللَّه من تراب فنفخ فيه الروح ، فكذا عيسى خلقه اللَّه في الرحم وصوّره بصورة الإنسان ثمّ نفخ فصار إنساناً جنيناً ثمّ وليداً . هذا ، وأمّا أصحاب القول الثاني فيقولون : إنّ التشبيه وقع في خصوص وجود مزيّة زائدة تكوينيّة في آدم وعيسى ، لا في أمر آخر ، وتلك المزيّة في آدم فضيلة العقل والإدراك ، فجعله اللَّه ممتازاً من أبناء نوعه بامتياز خلقي هو كونه مخلوقاً عاقلًا شاعراً مدركاً ، وفي عيسى كونه مخلوقاً من غير أب . وتوضيح الكلام : أنّ المراد بقوله تعالى : خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ كون خلقه كسائر أولاده حاصلًا من نطفة حاصلة من الغذاء الحاصل من التراب ، كما قال : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى . « 1 » والمراد بقوله : « كن » جعله عاقلًا مدركاً ؛ إذ لم يذكر في الآية خبر « كن » فيحمل على أنّ المعنى : كن عاقلًا ، فصار عاقلًا . وأمّا عيسى فهو أيضاً مخلوق بنحو تسبّب العلل والعوامل التكوينيّة ، غير أنّ له امتيازاً عن سائر الأناسي بوقوع خلقه بنحو غير متعارف وغير معتاد ، وهو الولادة من غير زواج ؛ إذ التجارب والفحوص العلميّة الراجعة إلى معرفة الإنسان والحيوان وأوصافها قد أثبتت إمكان توليد الإناث من غير مساس الذكران ، بأن يتكوّن أجزاء النطفة أجمع - من الأسپرم والأُوول - في رحمها ، فيتولّد منها الولد . وفي عيسى أيضاً لعلّه قد تحصّل لمريم بواسطة رؤية الملك المتمثّل لها بشراً حالة تحرّك المني وتركّب أجزاء النطفة ، فصارت علقة ومضغة وجنيناً ، فشبّه عيسى بآدم في وجود مزيّة خاصّة في كليهما ، وهي خروجها عن الطريق المعتاد الجاري في سنن التكوين ، فهو صار ذا قوّة عاقلة عن خلاف مصاديق نوعه ، وهذا تولّد من غير دخالة أب في انعقاد نطفته وتكوّن جنينه . فحاصل الجواب عن النصارى المدّعين لربوبيّة عيسى عليه السلام : أنّ عيسى مخلوق للَّهتعالى بوساطة العلل والأسباب التكوينيّة مع مزيّة وجودية ، وهذا لا يقتضي ربوبيّته ، وإلّا فآدم عليه السلام أيضاً ربّ .
--> ( 1 ) . طه ( 20 ) : 55 .